محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

394

الآداب الشرعية والمنح المرعية

بين من يعتقدك بذلك عالما فإذا ظهر مقدارك من لفظك تعجل سقوط قدرك . لا تواكلن جائعا إلا بالإيثار ، ولا تواكلن غنيا إلا بالأدب ، ولا تواكلن ضيفا إلا بالنهمة والانبساط ، ولا تلقين أحدا بما يكره وإن كنت ناصحا ، فإن ذلك ينفره عن القبول لنصحك ، ولا تدعه من الأسماء إلا بأحبها إليه ، وتغافل عن هفوات الناس فذلك داعية لدوام العشرة وسلامة الود . وخفف مؤنتك بترك الشكوى ، وإذا كرهت من غيرك خلقا فلا تأته ، وإذا حمدته فتخلق به ، ولا تستصغر كبير الذنب فتعرى ، ولا تستكبر صغيرها فتيأس ، وأعط كل ذنب حقه من عقوبته إن قدرت ، ومن اللائمة والهجران إن عن العقوبة عجزت ، ولا تقتض الناس بجراء إحسانك اقتضاء البائع بثمن سلعته ، ولا تمتن عليهم فالمن استيفاء لمعروفك أو تكدير لبرك . فإن قدرت على هذه الخلائق في معاشرتك ، وإلا فالعزلة خير لك وخير للناس ، فإنك بستر نفسك تستريح من إحتقاب الآثام ، بإسقاط جرم الأنام ، والسّلام . وروى ابن عقيل في الفنون بإسناده عن هشام بن سليمان المخزومي عن أبيه قال : أذن معاوية الناس إذنا عاما فلما احتفل المجلس قال أنشدوني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت منها مستقل بمعناه ، فسكتوا فلما سكتوا علم أنهم قد أعيوا ، إذا طلع عبد اللّه بن الزبير فقيل مقول العرب وعلامتها ، فقال أبا خبيب ! فقال مهيم ، قال : أنشدني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه قال : بستمائة ألف ، قال : وتساوي ؟ قال : فأنت بالخيار وأنت واف كاف ، فأنشده للأفواه الأودي : بلوت الناس قرنا بعد قرن * فلم أر غير ختال وقال قال صدقت هيه قل البيت الثاني فقال : وذقت مرارة الأشياء طرا * فما طعم أمر من السؤال قال صدقت قل البيت الثالث فقال : ولم أر في الخطوب أشد وقعا * وأصعب من معاداة الرجال فصل في وصايا نافعة ، وحكم رائعة ، من الأخبار والآثار والأشعار عن أبي هريرة ، مرفوعا : " لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب " " 1 " وعن

--> ( 1 ) صحيح رواه الترمذي ( 2305 ) وابن ماجة ( 4193 ) وصححه الشيخ الألباني وانظر الصحيحة ( 506 ) .